الجصاص

116

أحكام القرآن

للحاجة لا للحج ، وهذا يدل على أن الحر الذمي له دخوله لحاجة ، إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر ، وإنما خص العبد والأمة والله أعلم بالذكر لأنهما لا يدخلانه في الأغلب الأعم للحج . وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) : " إلا أن يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة " ، فوقفه أبو الزبير على جابر ، وجائز أن يكونا صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى بها أخرى . وروى ابن جريج عن عطاء قال : " لا يدخل المسجد مشرك " وتلا قوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) ، قال عطاء : " المسجد الحرام الحرم كله " . قال ابن جريج : وقال لي عمرو بن دينار مثل ذلك . قال أبو بكر : والحرم كله يعبر عنه بالمسجد ، إذ كانت حرمته متعلقة بالمسجد ، وقال الله تعالى : ( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) [ الحج : 25 ] والحرم كله مراد به ، وكذلك قوله تعالى : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) [ الحج : 33 ] قد أريد به الحرم كله لأنه في أي الحرم نحر البدن أجزأه ، فجائز على هذا أن يكون المراد بقوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) الحرم كله للحج ، إذ كان أكثر أفعال المناسك متعلقا بالحرم والحرم كله في حكم المسجد لما وصفنا ، فعبر عن الحرم بالمسجد وعبر عن الحج بالحرم . ويدل على أن المراد بالمسجد ههنا الحرم قوله تعالى : ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) ومعلوم أن ذلك كان بالحديبية وهي على شفير الحرم ، وذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن بعضها من الحل وبعضها من الحرم . فأطلق الله تعالى عليها أنها عند المسجد الحرام وإنما هي عند الحرم . وإطلاقه تعالى اسم النجس على المشركين يقتضي اجتنابهم وترك مخالطتهم ، إذ كنا مأمورين باجتناب الأنجاس . وقوله تعالى : ( بعد عامهم هذا ) فإن قتادة ذكر أن المراد العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق فتلا علي سورة براءة ، وهو لتسع مضين من الهجرة ، وكان بعده حجة الوداع سنة عشر . قوله تعالى : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) ، فإن العيلة الفقر ، يقال : عال يعيل إذا افتقر ، قال الشاعر : وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل وقال مجاهد وقتادة : " كانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين ، فأخبر الله تعالى